ابن عربي
307
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
علموا شرف غيرهم عليهم ، فإن شهادة اللّه بمقدار المشهود له بالتعظيم كالواقع منه لأنه قول حق ، وعلموا إذا تفكروا جهلهم بقدر القرآن حيث لم تظهر منهم هذه الصفة التي شهد اللّه بها للجبل ، فلو علم الإنسان قدر القرآن وما حمله لما كانت حالته هكذا ، كما أن هذه الآية تدل على القوة الإلهية التي أعطاها اللّه لمن أنزل عليه الوحي ، فإنهم علموا قدر من أنزله ، فرزقهم اللّه من القوة ما يطيقون به حمل ذلك الجلال ، إذ لا أقوى من العلم ، ولو نزل هذا القرآن على من ليست له هذه القوة لذاب في عينه لعظيم ما جاءه ، فإن اللّه وصفه بأنه يضعف عن حمل ذلك ، فانظر إلى ما كان يقاسي صلّى اللّه عليه وسلّم في باطنه من حمله القرآن لمعرفته به ، وما أبقى اللّه عليه جسده وعصم ظاهره من أن يتصدع كالجبل لو أنزل عليه القرآن إلا لكون اللّه تعالى قد قضى بتبليغه إلينا على لسانه ، فلا بد أن يبقي صورته الظاهرة على حالها ، حتى نأخذه منه ، وكذلك بقاء صورة جبريل النازل به ، - ومن وجه آخر - لما كان القرآن جامعا تجاذبته الحقائق الإلهية والكونية على السواء ، فلم يكن فيه عوج ولا تحريف فمنزلته الاعتدال ؛ والاعتدال منزل حفظ بقاء الوجود على الموجود ، فكان له الديمومية ، والبقاء ، فله بقاء التكوين وبقاء الكون ، فلو نزل عن منزله لنزل من الاعتدال إلى الانحراف ، وهو قوله : « لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ » يعني عن منزله « عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً » يعني الجبل ، فلم يحفظ عليه صورته لأنه نزل عن منزلته ، ولما كان هذا منزله وتجاذبته الحقائق على سواء ، كان من به أنزل عليه رحمة للعالمين ، لأن الرحمة وسعت كل شيء ، فإذا أنزل القرآن عن منزله - فإنه كلامه ، وكلامه على نسبة واحدة لما يقبله الكلام من التقسيم - فإنه ينزل وفيه حقيقة الاعتدال في النسب ، وهو جديد عند كل تال أبدا ، فلا يقبل نزوله إلا مناسبا له في الاعتدال ، فهو معرى عن الهوى ، وما كل تال يحس بنزوله لشغل روحه بطبيعته ، فينزل عليه من خلف حجاب الطبع ، فلا يؤثر فيه التذاذا ، فهو قرآن منزل على الألسنة لا على الأفئدة ، وأما من نزل القرآن على قلبه فإنه يجد لنزوله عليه حلاوة لا يقدر قدرها ، تفوق كل لذة . فإذا وجدها فذلك الذي نزل عليه القرآن الجديد الذي لا يبلى ، والفارق بين النزولين أن الذي ينزل القرآن على قلبه ينزل بالفهم ، فيعرف ما يقرأ وإن كان بغير لسانه ، ويعرف معاني ما يقرأ وإن كانت تلك الألفاظ لا يعرف معانيها في غير القرآن لأنها ليست بلغته ، ويعرفها في تلاوته إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه عند تلاوته .